“التواصل الإجتماعي” الثقافة الآنية و صعوبة التراكم

“التواصل الإجتماعي” الثقافة الآنية و صعوبة التراكم

تحولت منصات التواصل الإجتماعي إلى أحد أهم أدوات التعبير في العالم و أصبحت محل إهتمام متعدد الأطراف و الأبعاد في رصد ما تحفل به من آراء و مواقف و تحولت إلى مدخل مهم لرصد ” الفكر اليومي “.

و لا شك أن ما تتيحه من آنية و فردية التفاعل قد منحها القدرة على التأثير أكثر في صياغة الرأي العام و جعل الخطاب الذي تروجه سواء كان سياسيا أو إجتماعيا أكثر قدرة بما يتضمنه من شحنات عاطفية لا تخلو غالبا من التشنج و الفعل الإفتراضي أكثر قدرة على التأثير من الحقائق الموضوعية في تشكيل الرأي العام و هو ما جعل بعض علماء الإجتماع يعتبرون أن منصات التواصل الاجتماعي قد أدخلت منذ سنوات البشرية في مرحلة ” مجتمعات ما بعد الحقيقة ” و هي مجتمعات لم تعد تهمها ” الحقيقة ” و ما تحيل إليه من عقلانية و توقع و إنضباط للمنطق و العلم بقدر ما أصبحت تتّبع الإدراك الذي تمنحه العواطف و القناعات الفردية للأشياء.

و قد يبدو الوضع أكثر تعقيدا في مجتمعاتنا العربية التي لم تعش مرحلة “الحقيقة ” و ما يرتبط بها من مؤسسات سياسية ديمقراطية و قدرة على إستنطاق الظواهر للبحث عن القوانين التي تحركها و ما يتبع ذلك قدرة على التوقع و التخطيط. مجتمعاتنا هي من هذه الزاوية مجتمعات “دون الحقيقة” لضعف إسهامها في إنتاج المعرفة العلمية و لأنها غالبا ما ” تتأرجح ” حتى حين يتعلق الأمر بمعرفتها لذاتها و هو الشرط الضروري لقدرتها على أن تحدد لنفسها موقعا في خريطة الثقافات و الحضارات.

هذا التأرجح يمكن أن نجد له عدة ” نماذج تطبيقية” لعل آخرها الجدل حول الإعتزاز بالإنتساب لتونس من عدمه. بين الاعتزاز الذي يصل أحيانا إلى حد التعصب و الشوفينية و التبرؤ و التعبير عن الاستحياء من الإنتماء لتونس مسافات تجعل الموقفين على طرفي نقيض و كشف عن خلل في التقييم من الناحية العلمية و عن إرتباك في تمثل الزمن و الوجود. رغم أن ” التونسة” هي من الكلمات المتداولة منذ عقود و رغم إرتباط بناء الدولة الوطنية بالتأكيد على وجود ” أمة تونسية ” فإنه لا وجود لما يمثل الحد الأدنى من تحديد ملامح الشخصية القاعدية التونسية و حتى المحاولات العلمية القليلة التي وقع القيام بها في هذا المجال ظلت محدودة التأثير و تعرضت إلى حصار إمتزجت فيه الرقابة السلطوية بالآراء المسبقة التي تقتات منها الجموع و هو ما جعل التمجيد المطلق الذي يكاد يكشف نزعات عنصرية لا واعية و تمحورا مركزيا حول الذات ينقلب و أحيانا عند نفس الشخص إلى تحقير للذات و رغبة في التنصل من الإنتماء لها.

هذا التأرجح الذي يتغذى من تمسك ببعض الشعارات التي يقع طلاؤها بوهم المعرفة تلعب دورا في إدامة عاملي تخلف على المستوى الإجتماعي و هما إضطراب الديمومة و سوء تحقيب الزمن إذ يتداخل الماضي و الحاضر و المستقبل و غالبا ما يكون هذا التداخل متساوقا مع تضخيم الماضي و تثمينه و تحويله إلى نموذج و مثال على حساب بقية الأبعاد رغم أن التوازن النفسي يقوم على التوجه نحو المستقبل و اما السلبية الثانية فهي التماهي بين الفرد و الجماعة إلى الحد الذي تنتفي فيه المسؤولية الفردية و هو ما يجعل كل فعل سلبي كالإرهاب مثلا وليد أخطاء المجتمع أو الآخرين أو وليد تآمر من الشعوب التي لا ” تريد لنا الخير ” و لا تتحرك إلا من أجل ” توريطنا ” و هي نفسية طفولية لا يمكن أن تتحمل مسؤولية أفعالها.

 

 

هشام الحاجي

اترك تعليقاً