بايدن يرث تركة ترامبية قد لا يتمكن من معالجتها في فترة رئاسية واحدة

بايدن يرث تركة ترامبية قد لا يتمكن من معالجتها في فترة رئاسية واحدة

واشنطن-محمد دلبح

حسمت يوم الجمعة الماضي، وسائل الإعلام الأميركية بمختلف تلاوينها، من واقع اطلاعها على سير عملية التصويت نتيجة الانتخابات الرئاسية بإعلانها جوزيف بايدن الرئيس السادس والأربعين المنتخب للولايات المتحدة، حيث ألقى في مساء اليوم نفسه خطاب النصر من مقر حملته الانتخابية في ولايته ديلاوير وبدا بتلقي التهاني بالفوز من زعماء عالميين فيما سادت شوارع المدن الأميركية الاحتفالات بفوزه والخلاص ممن سمته صحيفة نيويورك تايمز بـ “الكابوس” و “الرجل الدجال”، الذي أورث بايدن مجموعة معقدة من حالات الطوارئ العاجلة – والملحمية التي لم يسبق لرئيس أميركي منتخب أن واجهها منذ عهد الرئيس الأميركي الثاني والثلاثين، فرانكلين روزفلت الذي كان ورث بلادا تسودها فوضى كبيرة من جراء الكساد العظيم في عام 1932. فالتركة التي خلفها دونالد ترامب لخلفه بايدن تتسم بالفساد ليس أقلها جائحة فيروس كورونا التي كان ترامب قد تعامل معها بخفة مما ساهم في انتشارها بشكل مريع لتحصد أكثر من 240 ألفا من أرواح الأميركيين وتصيب أكثر من عشرة ملايين شخص مع تضاؤل الأمل بالتوصل إلى لقاحات وأدوية رغم مليارات الدولارات التي أهدتها حكومة ترامب إلى شركات الأدوية.

وإلى جانب تلك الجائحة فإن بايدن يرث بلدا يشهد ارتفاعا في نسبة البطالة طويلة الأمد تصل إلى أكثر من 26 في المئة في أوساط من يعمل بدوام كامل فيما ترتفع إلى نحو 40 في المئة إذا ما أضيف لها من يعمل بشكل مؤقت أو بنصف دوام أو أقل من ذلك، وديون فدرالية عالية تزيد عن 22 تريليون دولار، فيما تجاوز العجز في الميزانية الفدرالية 3 تريليونات دولار في العام الذي انتهى في 30 سبتمبر الماضي، وسيتواصل في العام المقبل ، على الرغم من قرار الحزبين تجاهله. وهذا العجز يمثل أكبر فجوة في الميزانية منذ عام 1945.

وإلى جانب ذلك فإن بايدن يرث أمة منقسمة بشكل مريع إذ أن أكثر من 71 مليون ناخب أميركي صوتوا لصالح ترامب الذي يتسم بعنصرية فاقعة، أي أن نحو نصف المجتمع الأميركي يؤيد تلك العنصرية فيما تنتشر حملات التضليل والكذب في وسائل إعلام جماعات التفوق العنصري الأبيض وميليشياتها التي تستخدم منصات التواصل الإجتماعي وما يتاح لها من مواقع الكترونية، وهي تسير على خطى رئيسها ترامب الذي يعيش حالة من الإنكار مصرا على أنه قد فاز في الانتخابات وأن خصومه ومنافسيه قد زوروا الانتخابات وسرقوها.

معالجة التركة ليس بالأمر اليسير، إذ أن كل واحدة من أزمات تلك التركة تتطلب فترة رئاسية من أربع سنوات لإنهائها، فما بالك أن كان الأمر يتطلب من بايدن وفريقه معالجة كل تلك الأزمات دفعة واحدة؟

طبقا لما ذكرته تقارير صحفية أميركية خلال اليومين الماضيين فإن بايدن سيركز بالدرجة الأولى على أنجع السبل لمعالجة فيروس كورونا والحد من انتشاره إلى جانب الدمار الاقتصادي الذي يلحقه بالولايات المتحدة. فالإحصاءات تشير إلى أن معدل الإصابات بفيروس كورونا يزيد يوميا عن مئة ألف شخص مع توقع أرتفاع العدد خلال العطل والتجمعات، وحتى موعد تسلمه السلطة في 20 كانون الثاني/يناير المقبل فإن معالجة الفيروس تكون مسؤولية حكومة ترامب. وقد أعلن بايدن أنه سيعين فريق عمل يختص بمعالجة فيروس كورونا يضع “خطة مبنية على أساس علمي للتخلص من الوباء” وتشير معلومات إلى رون كلين، مستشار بايدن قد يتراس هذا الفريق، حيث سبق أن تراس في عهد أوباما الفريق الذي تابع أزمة مرض إيبولا.

التقارير الصحفية ذكرت أن بايدن سيوقع مراسيم رئاسية فور تسلمه السلطة يلغي بموجبها قرارات سلفه ترامب وتتضمن هذه المراسيم على سبيل المثال الغاء الحظر على دخول مواطني بعض الدول العربية والاسلامية الى الولايات المتحدة والعودة الى اتفاقية باريس للمناخ التي تضم نحو 200 دولة والمعنية بخفض الانبعاثات الغازية والتي أصبح انسحاب الولايات المتحدة منها نافذا يوم الأربعاء الماضي، حيث ستقوم إدارة بايدن بإبلاغ الأمم المتحدة عن عودتها إلى الاتفاقية الذي سيتم بعد ثلاثين يوما من ذلك البلاغ. كما ستتضمن المراسيم الرئاسية العودة إلى منظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية و والعمل ببرنامج الحالمين الذي يسمح لمن دخلوا الولايات المتحدة بشكل غير قانوني كأطفال بالإقامة الشرعية ومنحهم أذونات عمل.، ولكن لا يعرف بعد أين ذهب أهل الآطفال الذين فصلهم ترامب عن والديهم. كما سيعمد إلى إلغاء قرار ترامب بالإبقاء على الآلاف من طالبي اللجوء في المكسيك إلى أن يبت في طلباتهم، كما قد يوقف العمل بمشروع ترامب بناء الجدار على طول الحدود مع المكسيك، ويعمل على استخدام المبلغ المرصود له وهو 2.5 مليار دولار لأغراض أخرى.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة التي وضع ترامب لها شعار “أميركا أولا” وتسبب في توسيع دائرة الخلاف مع الحلفاء والأصدقاء ما عدا الكيان الصهيوني، فإن بايدن سيعود إلى سياسة العولمة وتعزيز منظمة حلف شمال الأطلسي، إذ أن انتخاب بايدن قوبل براحة لدى الزعماء الأوروبيين الذين كانوا يخشون انتهاء حلف الناتو في حال انتخاب ترامب لفترة رئاسية ثانية.

أما قضايا المنطقة فسيتم معالجتها وفق استراتيجة المصالح الأميركية التي يعتمدها الحزب الديمقراطي، وربما يكون على جدول أولوياته العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران والذي توصلت له حكومة باراك أوباما الذي كان بايدن جزءا منها وأوقف ترامب العمل به متسببا في الخلاف بشانه مع الحلفاء الأوروبيين. أما القضايا الأخرى فسيتم طبخها على نار هادئة.

ترامب الذي كان فرض نفسه قائدا للحزب الجمهوري رغم أنه أتى من خارجه، سيبقى يصر على سرقة الانتخاب وتزويرها بما يعني أنه يشكك أمام أنصاره في شرعية نتائجها وهو ما يعني التشكيك في شرعية الرئيس المنتخب، ومن موقع الدعم الذي يلقاه من قاعدته العنصرية وهي أيضا قاعدة الحزب الجمهوري فقد يثير المتاعب لبايدن من خلال إمكانية هيمنته على سياسة وإعلام الحزب الجمهوري وخاصة إذا تنكن الجمهوريون من الاحتفاظ بسيطرتهم على مجلس الشيوخ الأمر الذي سيدفع بايدن –رغم صعود التيار التقدمي في حزبه من خلال ارتفاع نسبة الشباب في أوساط المقترعين لصالحه- إلى عدم ضم ليبراليين أو ذوي توجهات يسارية إلى حكومته ودفعه إلى اختيار وزرائه وكبار المسؤولين في حكومته القادمة من يمين الوسط في الحزب الديمقراطي وقد يطعم حكومته بشخصيات معتدلة من الجمهوريين الذين اصطفوا إلى جانبه ضد ترامب.

اترك تعليقاً