بيروت لا تستسلم…

بيروت لا تستسلم…

لا تختلف العلاقة مع الأماكن و الأحداث في جوانب كثيرة منها و أساسا ” الارتباط ” الوجداني عن العلاقة التي تربط الناس في ما بينهم. ذلك أن بعض الأماكن لا تعني لوجداننا شيئا في حين ننفر من أماكن أخرى و لا نخفي انجذابنا لأماكن أخرى. و تثير بيروت لدى أغلب التونسيين و التونسيات مشاعر فيها من التماهي و الإعجاب الشيء الكثير.

لا يعرف أغلبنا أن هذه المدينة التي اعتبرها محمود درويش ” شكل الروح في المرآة ” ضاربة في القدم و يعود أول ذكر لها إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد و أن إسمها الذي لم يتغير كثيرا منذ ذلك التاريخ إذ سميت لفترة بيروتا ثم بيريت في الفترة الفينيقية مستمد من التسمية التي أطلقها الساميون على الصنوبر. هناك بما لا يدع مجالا للشك ذلك الارتباط الخفي بين أهل تونس و لبنان و الذي يعود إلى تأسيس قرطاج و لكن للارتباط الوجداني ببيروت أسبابا أخرى أكثر ارتباطا بالسياق المعاصر. ذلك أن بيروت تعتبر التجسيد الأمثل لمشروع الحداثة العربية بكل ما أمكن لهذا المشروع تحقيقه من مكاسب و لما يعاني منه من عوائق و ما أفرزه من معضلات مزمنة. بيروت التي تطورت في سياق رغبة في التحرر الإجتماعي و السياسي تمثل نقطة إشعاع فكري و ثقافي بلغ مداه كل الوطن العربي و تجاوزه. يصعب الإتيان على أسماء الأدباء و الكتاب و المطربين و السياسيين اللبنانيين الذين أثروا في ذائقتنا و في نظرتنا للوجود يكفي بيروت أن إسمها ارتبط بسفيرة السماء فيروز و بمجدد الأغنية الهادفة مارسال خليفة هذا دون أن ننسى ايليا أبو ماضي و جبران خليل جبران و ميخائيل نعيمة و بدور نشر لم تتوقف حتى في أحلك مراحل الحروب عن طباعة الكتب. بيروت هي أكثر المدن العربية حركية و غليانا ثقافيا و سياسيا و اقتصاديا و هي العاصمة التي “احترفت ” في العقود الأخيرة مواجهة الحروب و دحرها. عانت بيروت على امتداد ما يقارب العقدين من الزمن و تحديدا ما بين 1975 و 1990 من ويلات حرب أهلية أعقبها اجتياح صهيوني و لكنها سرعان ما عادت إلى سالف شغفها بالحياة و المقاومة.

بيروت أعادت تشكيل وعينا و ارتباطنا بفلسطين فمنها قدم إلى تونس ياسر عرفات مرفوقا بإعداد من الأشقاء الفلسطينيين و فيها مخيمات فلسطينية تحتضن إرادة حق العودة و تؤرخ لجوانب من الملحمة الفلسطينية و للوحشية الصهيونية و حلفائها من الأحزاب اللبنانية الانعزالية.

بيروت نجمتنا كما صرخ درويش لأنها رمز إرادة و صمود تجسد سنة 2006 لما كسرت إرادة المقاومة اللبنانية على مشارفها شوكة الصلف الصهيوني و هي أيضا خيمة عربية تتجاور فيها حداثة الشكل مع مظاهر تخلف اجتماعي قاتلة من مظاهرها أن الإنتماء الطائفي أقوى من الإنتماء الوطني و أن الفساد قد تمكن من كل مفاصل المدينة إلى أن كان من خلال تشجيعه للاهمال و الاستهتار أحد أسباب كارثة الإنفجار الذي هز ميناء بيروت الذي يعود تاريخ بنائه الى سنة 1894 و الذي تمر عبره ثمانون بالمائة من حاجيات لبنان من السلع و المواد و هو ما يشير إلى حجم الكارثة التي تزامنت مع تشريد ما لا يقل عن 300000 لبناني و مع صراع خفي يخوضه الكيان الصهيوني مع هذا الميناء المحوري في حوض البحر الأبيض المتوسط من أجل تحويل نشاطه إلى ميناء حيفا هذا دون أن ننسى ارتباط الأمر برهانات الغاز الطبيعي و النفط في شرق المتوسط…قد يكون النهوض من وقع هذه الضربة صعبا لكنه ليس مستحيلا على الشعب اللبناني الذي أثبت مرارا قدرة لافتة على الصمود و الوقوف و قد يكون التخلص من اخطبوط الدولة الفاشلة و العاجزة التي تخنق الإرادة اللبنانية أحد مداخل خروج بيروت من أزمة جديدة و غير مسبوقة و لكن لا يمكن لمدينة انتصرت مرارا أن تنهزم.

 

 

هشام الحاجي

اترك تعليقاً